فخر الدين الرازي

393

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بإزالة الخوف عن المؤمنين ، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم / ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه . واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند اللّه وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس ، فإن النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال هاهنا في قصة أحد في هؤلاء ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً وقال في قصة بدر إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [ الأنفال : 11 ] ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : « الأمنة » مصدر كالأمن ، ومثله من المصادر : العظمة والغلبة ، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمناً وأماناً . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قريء ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها المرة من الأمن . المسألة الثالثة : في قوله تعالى : نُعاساً وجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من أمنة ، والثاني : أن يكون مفعولا ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : أَمَنَةً وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكباً رجلا ، وثانيها : أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها : أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة . ثم قال تعالى : يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم حين اشتد الخوف ، فأرسل اللّه علينا النوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا / هاهنا . وقال عبد الرحمن بن عوف : ألقى النوم علينا يوم أحد ، وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق باللّه والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن اللّه . واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن اللّه منجز وعده ، وثانيها : أن الأرق والسهر